الرئيسيةالأحداثاليوميةالمنشوراتمكتبة الصورس .و .جبحـثدخولالتسجيلللاتصال بنا

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

  ..! أحرار تحت ظل الشريعة !..

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
momenattea
الشريف العام
الشريف العام
avatar

ذكر الجوزاء الماعز
عدد المساهمات : 1369
النشاط : 15535
الاعجاب : 11
العمر : 27
العمل/الترفيه : اخصائي اجتماعي
المزاج : الحمد لله

24062012
مُساهمة ..! أحرار تحت ظل الشريعة !..

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العلمين
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً


هذا الكاتب الموفق أتم الله نعمته عليه وعافيته وستره؛
لم أجد كاتباً يشبع عقلي مثله هذه الأيام،
وأعلم أن ما لم يتسن له الظهور عنده أعظم !...

خطاب التنوير في مواجهة التفكير العنصري

محمد بن علي المحمود:

 ما تتميز به قيم التنوير،
هو صدورها من رحم خطاب عقلاني / إنساني عام،
خطاب شامل لكل أبعاد الواقعة الإنسانية بكافة تفاصيلها.
ولهذا،
فهو،
كخطاب بهذا الشمول،
يصنع الشروط الثقافية،
ومن ثم الموضوعية،
التي لا تكتفي بمجرد السماح لهذه القيم بالحضور الفاعل،
وإنما تدعم حضورها الفاعل.

يغيبُ خطاب التنوير،
كفاعل ثقافي،
في حياتنا؛
فتحضر الخطابات الظلامية المضادة التي تؤسس لوعيّ ظلاميّ معادٍ للإنسان.

يغيب خطاب التنوير على مستوى الخطابات الرائجة جماهيريا؛
فتغيب قيم التنوير التي تصنع مجتمع الإنسان،
تغيب قيم:
العدل والمساواة والإخاء والحرية والديمقراطية؛
وكل ما يتناسل عنها من مفردات ثقافية وحقوقية تسعى إلى تجسيد معنى الكرامة الإنسانية في واقع الناس المعاش.

الإيمان المجرد بالمفردة الحقوقية لا يعني أنها تجسدت أو ستتجسد في الواقع.
أن يؤمن مجتمع ما بأهمية العدل والمساواة ...إلخ إيمانا مجرداً،
لا يعني أنها ستتحقق مباشرة في الواقع ؛
خاصة عندما يكون السائد الثقافي يقف منها في الاتجاه المضاد.

هذه القيم الإنسانية،
ومهما كانت درجة الإيمان بها كمفردات معزولة،
لا تتجسد في الواقع المعاش إلا بآليات الفعل الثقافي الذي يستخدم كلّ وسائط، وكلّ وسائل التأثير؛
من أجل أن ينفذ من خلال طبقات الوعي الفردي والجمْعي؛
إلى حيث اللا وعي الجمعي القادر على صناعة وعي عام مدعوم (وداعم في الوقت نفسه) بقوة صرامة القانون المنحاز صراحةً إلى الإنسان.

المجتمعات البدائية - بطبيعتها - مجتمعات عنصرية؛
لأنها قائمة على روابط اجتماعية غير مدنية،
روابط تجعل من التمايز بين بني الإنسان طريقاً إلى حماية الإنسان من الإنسان في إطار مفهوم محدود للإنسان.

هذه الوضعية / الحالة البدائية تستمر،
وقد تزداد رسوخاً، مع استمرار نمو المجتمعات؛
لأن شبكة المصالح (المصالح المباشرة التي لا يستطيع البدائي رؤية غيرها؛
بينما يعمى عن المصالح اللا مباشرة التي تتحقق على المدى البعيد) داخل كل مجتمع صغير تترسخ وتنمو بنموها ورسوخها في الوعي العام.

الحالة البدائية تأخذ وضعها الطبيعي في النمو والاستمرار من حيث هي حضور طبيعي.

إنها حالة غرائزية (غير عقلانية) مرافقة للوجود الطبيعي / البدائي للإنسان.

أي أنها حالة لايمكن أن تتحلحل؛ إلا بوجود طفرة استثنائية / نوعية في التفكير.

ولا شك أن هذه الطفرة الاستثنائية لا يمكن أن تحدث إلا من خلال اشتغال التفكير على التفكير (= الممارسة الفلسفية)؛
ليكون الإنسان (= الإنسان المفكر - العقلاني) في مواجهة الإنسان (= اللامفكر - غير العقلاني)،
أي ليمارس الإنسان مساءلة ذاته الفردية وشبه الفردية (= الإنسان المتشظّي) من أجل تعزيز حضور الإنسان،
الإنسان العام الحاضر في كل بني الإنسان.

هذه (الطفرة) الاستثنائية في التفكير الإنساني،
لم تحدث طِوال التاريخ البشري إلا مرة واحدة،
وذلك عندما قام فلاسفة التنوير العظام بالتأسيس لقيم الإنسان في القرن الثامن عشر الميلادي.
قبل هذا التاريخ،
وعلى الامتداد المعروف من تاريخ البشرية،
لم يحدث أن حاول الإنسان (على نحو تفكير شبه جماعي يحاول النهوض على المشترك العقلي - الإنساني) تجاوز نفسه / بدائيته؛ بغية الوصول إلى تعزيز قيم الإنسان.

طبعاً،
سيقول بعضهم:
أليس في تاريخ البشرية بعض من نادى ببعض هذه القيم،
ألا يوجد في الأديان السماوية،
بل وغير السماوية،
نداءات وإرشادات ووصايا تنادي بذات القيم التي دعا إليها خطاب التنوير الأوروبي فيما بعد ؟!

أسئلة مشروعة،
والجواب بــ: نعم، ولا، في آن.

نعم دعا بعض الأفراد،
ودعت الأديان،
إلى القيم التنويرية ذاتها التي نادى بها فلاسفة التنوير،
ولكن لم تكن مهمتها، لا افتراضاً ولا واقعاً، استدماج هذا القيم في خطاب عقلاني شمولي (الأديان والمذاهب - مثلا- تؤثر في معتنقيها فحسب ...).

هذا من جهة،
ومن جهة أخرى، فإن مجرد الإيمان نظرياً ببعض المفردات التنويرية،
لا يعني بالضرورة استجابة الشروط الثقافية المتعززة بفعل السائد الثقافي والاجتماعي لهذه القيم،
بل غالبا ما يكون السائد الثقافي هو السد الذي يقف دون تنزّل هذه القيم في واقع الحياة.

ما تتميز به قيم التنوير،
هو صدورها من رحم خطاب عقلاني / إنساني عام،
خطاب شامل لكل أبعاد الواقعة الإنسانية بكافة تفاصيلها.

ولهذا، فهو، كخطاب بهذا الشمول، يصنع الشروط الثقافية، ومن ثم الموضوعية، التي لا تكتفي بمجرد السماح لهذه القيم بالحضور الفاعل، وإنما تدعم حضورها الفاعل بواقع يستدعي - بالضرورة - حضورها، ويمكنها من مواصلة تعزيز مستويات الحضور في أكثر من مجال.

لو كان يكفي مجرد وجود التوصية بهذه المفردة أو تلك؛
لكان تاريخ الإسلام هو تاريخ العدل،
ولكان تاريخ المسيحية هو تاريخ التسامح؛
لأن الإسلام طالما أوصى بالعدل وشنّع أيما تشنيع على سير الظالمين،
وكشف عن مصيرهم البائس في العاجل والآجل،
والمسيحية أيضا طالما أوصت صراحة بالتسامح اللا محدود مع القريب والبعيد.

اليوم، يبدو الغرب عادلًا ومتسامحاً وإنسانياً بلا مراء،
بل هو لا يكف عن السير في هذا المضمار الإنساني؛
رغم كل صور الإنجاز التي تقترب من الإعجاز في هذا المجال.
لكن، لا يختلف اثنان على أن هذه الحالة الراهنة المتمثلة بإنسانية وتسامح وعدل الغرب لم تكن حالة نابعة من قوة حضور المؤثر المسيحي في الواقع.

لو كان الأمر كذلك،
لكانت القرون الوسطى هي الأجدر أن تحظى بشرف صناعة هذا الواقع الإنساني الجميل.

إن تاريخها (= القرون الوسطى) عكس ذلك تماما،
تاريخها يحكي لنا حقيقة واضحة،
وهي أنها كانت على الضد من كل ذلك،
في مقابل حقيقة أخرى تؤكد أن هذا الواقع الإنساني الجميل لم يتكون إلا في ظل تراجع مستويات التأثير للدين المسيحي في الثقافة،
كما في حياة الناس.

إذن، هل نستطيع القول:
إن الغرب أصبح مسيحياً (على مستوى القيم الأولى في الديانة) حين لم يعد مسيحياً (على مستوى الإلزام المؤسساتي ذي الطابع الكهنوتي) ؟..

أي هل حضرت قيم الدين؛ عندما تخلقت في مسارات عقلانية لها شمولية الثقافي العام؛
بينما لم تحضر عندما كانت تحاول الفعل مباشرة في واقعٍ محكوم بنظام ثقافي مضاد ؟!.

إحداثيات الواقع تؤكد أن الأمر كان كذلك.

وغياب هذه الحقيقة عن كثير من المنادين بقيم الإنسان،
سواء من وجهة نظر دينية،
أو من وجهة نظر إنسانية،
هو ما جعلهم عرضة للفشل الدائم في هذا المضمار..

نحن اليوم،
وعلى الرغم من أننا أكثر المجتمعات مناداةً بسواسية الناس،
وأكثر المجتمعات مناداةً بــ(استجداء!) العدل،
وأكثر المجتمعات زعماً بأنها أفضل المجتمعات فعلًا إنسانياً لكل الناس،
إلا أننا - في الواقع - نُمثّل التجسيد الواقعي المضاد لكل هذه النداءات والاستجداءات والادعاءات الفارغة إلا من صخب رخيص الكلام !..

رابط المقال: http://www.alriyadh.com/2011/07/07/article648302.html
( يتبع )


..أسأل الله ان ينفع به سائر البشر..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

..! أحرار تحت ظل الشريعة !.. :: تعاليق

avatar
رد: ..! أحرار تحت ظل الشريعة !..
مُساهمة في الأحد 24 يونيو 2012, 12:36 pm من طرف momenattea
الخطاب التنويري في مواجهة التفكير العنصري

محمد بن علي المحمود؛

بعد كل هذا الانفتاح الكوني الذي فتح قسرا كل فضاءات الأنا على كل فضاءات الآخر،

وبعد كل هذا الانفجار المعلوماتي اللا محدود الذي جعل المعرفة في متناول الجميع،
وأصبحت مجانية أو شبه مجانية،
بحيث يتم الحصول عليها بأقل جهد وبأرخص ثمن،
وبعد كل هذا التمدد القسري لمفاهيم وقيم الحداثة حتى في أشد المجتمعات تقليدية وانغلاقا؛
لم يعد بإمكان أحد أن ينكر أن الخطاب التنويري الأوروبي هو الخطاب الإنساني الوحيد الذي نجح في تعزيز قيم الإنسان على مستوى العالم؛
بينما كان حظ كل الخطابات الأخرى الانزواء والانطواء في ظلمات الزويا والتكايا،
بعدما تأكد للجميع،
ولأصحابها قبل غيرهم،
أنها لم تحقق في الواقع إلا الوهم المُحبط على امتداد رحلة الفشل الذريع.

هذه هي الحقيقة التاريخية والواقعية التي يثبتها العلم،
كما يثبتها الواقع المتعين؛
بكل ما تمتلكه حقائق العلم وحقائق الواقع من حياد.

لكن من باب الاعتزاز القومي؛
(ويدخل فيه الاعتزاز الديني والعرقي والوطني والمناطقي...إلخ)
يصعب على أية أمة؛
(أو أية مجموعة بشرية تمتلك واحدية الهوية على أي مستوى اجتماعي)؛
أن تعترف لأية أمة أخرى،
وخاصة عندما تكون منافسة، بدور جوهري في صناعتها، أو حتى الإسهام الفاعل في بلورة هويتها الأخلاقية التي دائما ما تجعلها الأصفى والأنقى والأطهر؛ مقايسة بالهويات الأخلاقية التي ينتمي إليها الآخرون.

كل أمة تدعي،
بشكل مباشر أو غير مباشر، أن الحياة البشرية بدأت على يديها،
وأن الكون بكل ما فيه منها بدأ وإليها يعود.

عندما تقرأ تاريخ أية أمة بأقلام مُؤرخيها (وقليل من يلزم الحياد العلمي في هذا المجال العلمي التاريخ) تجد أن المزاعم القومية المتلبسة بالعلم تجعلها أصل الحضارة،
بل وأحيانا تجعلها المهد الأول للإنسان.

اليوم،
عندما تذهب إلى أي بلد، تجد أن التمجيد القومي للذات يضع من الذات البداية والنهاية،
ويحاول هذا التمجيد المجاني الفارغ إشعارك بأن مصير العالم أجمع مرتبط بما يتقرر في هذا البلد،
أكثر مما هو مرتبط بمجموع إرادات الآخرين.

وإذا كان هذا الدجل الإعلامي لا ينجح معك كزائر عابر،
أو حتى كمواطن واعٍ أو كمتدين ملتزم،
فإنه ينجح بمستويات متباينة في إقناع الأغلبية الساحقة من الجماهير بهذا الوهم الجميل؛
لأنها (= الجماهير الساحقة) لا تستطيع أن تحترم ذاتها،
وتقف ضد تبخيس حقائق الواقع لها؛ إلا عندما تخدعها بهذا الوهم الجميل !..

لا ضير أن تعيش الجماهير على هذا الوهم الجميل،
لا ضير أن تغتبط بجهلها؛
لأنه جهل يمنحها شيئا من الاعتزاز الذي يضمن لها إمكانية الوقوف على قدميها ريثما تهب عليها رياح التنوير التي تصنع عواصف التغيير.

لا ضير في ذلك عندما يقف هذا الوهم عند حدود المعقول جماهيريا،
عندما لا يندرج في مسارات تتغيا آفاق المعرفة،
أي عندما لا يحاول الذات وضع هذا الوهم كمقدمة أولية / شرطية للنهوض.

لا شك أن هذا الوهم سيكون وهما مدمرا عندما يحاول الاندماج في مسارات الأطروحات المعرفية التي تأخذ على نفسها مهمة الانتقال بالمجتمع من حالة التقليد المتكلس المُعزّز لقيم التخلف والانحطاط إلى حالة تقدمية تكون السيادة فيها لمبادئ وقيم التنوير.

هذا الوهم الذي تمدد من ميادين الجماهري الشعبوي إلى ميادين الخطاب الثقافي العام،
أو المعرفي الخاص،
هو الذي يقف اليوم حائلا دون تجذر خطاب التنوير في مجتمعات التقليد.

لم يعد هذا الوهم خاصا بتحقيق درجة من الاغتباط الجماهري الساذج؛ بقدر ما أصبح جزءا جوهريا من إيديولوجيا البقاء في زمن التعصب والعنصرية والعداء الصارخ لكل قيم الإنسان التي يؤسس لها خطاب التنوير.

هذا العداء للتنوير،
أو على الأقل، هذا الازورار عن التنوير،
أصبح، بفضل إيديولوجيا التقليدية الاتباعية، رائجا حتى في أوساط القائمين على الحقول العلمية،
وخاصة الحقول المرتبطة بالعلوم الطبيعية المعزولة عن مسارات تطور الوعي الإنساني،
ذلك الوعي لا يمكن الوعي به (= استيعابه) إلا من خلال الاشتباك الفاعل مع منظومة العلوم الإنسانية المتجذرة في التربة الأولى لخطاب التنوير الأوروبي،
والتي يستحيل أن تنعزل عنه بحال.

قبل سنوات،
وفي سياق نقد الخطاب الأصولي في العالم العربي،
أشرت إلى ظاهرة يمكن ملاحظتها في رحلة الانبعاث الأصولي،
وهي أن الأصوليين استطاعوا النفاذ إلى نقابات الأطباء والمهندسين..إلخ نقابات العلوم الطبيعية،
وهو نفاذ يؤكد نجاحهم في هذه الحقول (مدعوما بقوة تنظيمهم بطبيعة الحال)،
بينما لم يكن ثمة أثر لهم في ميادين المعرفة المتعلقة بالعلوم الإنسانية (انظر إسهاماتهم في الدراسات الفلسفية، أو الفكر الاجتماعي، أو المتعلقة بالأدب والنقد الأدبي مثلا، ستجدها هزيلة جدا، بل هي مثار السخرية إلى درجة الرثاء)،

بل لا يوجد منهم ولو متخصص واحد على امتداد العالم العربي أثبت نفسه علميا في هذا المجال.

بل إن إخواننا التقليديين الأصوليين عندما حاولوا الدخول إلى حقول العلوم الإنسانية،
لم يفعلوا ذلك بقوة الدافع العلمي،
لم يفعلوا ذلك إلا بنية استصلاحها من الداخل،
وهو الاستصلاح الساذج المتمثل بما يسمونه أسلمة المعرفة،
أو حتى أسلمة العلوم !..

وهذا ما رأيناه منهم في مهزلة ما يسمى بالأدب الإسلامي أو النقد الإسلامي أو علم النفس الإسلامي..إلخ هذا العبث الذي يحاول تجيير هذا العلوم لمفاهيم عنصرية مقطوعة الصلة بالإنسان،
وذلك عندما يفصلها عن الخطاب الإنساني الذي تأسست عليه (= خطاب التنوير)
وعن الغاية التي كانت تصنع منطقها الداخلي،
حيث الإنسان هو غاية الإنسان.

لقد أصبح من الواضح أن قدرة إخواننا التقليديين / الأصوليين على تحقيق النجاح النسبي في مجال العلوم الطبيعية،
مقابل فشلهم الذريع في تحقيق أي نجاح في مجال العلوم الإنسانية،
إنما هو نتاج الرؤية التقليدية الساذجة التي راجت ولا تزال تروج في أوساط التقليدين،
وهي الرؤية القائلة بأننا يجب أن نأخذ من الغرب العلوم المادية الخالصة،
ونمنع ونحجب، بل ونحارب ما سواها من العلوم الإنسانية والفنون.

أي أزمة إخواننا التقليديين ناتجة عن رؤيتهم الساذجة التي تؤمن بإمكانية فصل مكونات الحضارة المادية عن مكوناتها الفكرية والفلسفية التي تأسست عليها؛ دون أن يكون في ذلك أي تناقض يشكل خطرا على مسيرة التقدم العلمية،

أو حتى على وضع الإنسان في هذه المسيرة الاستثنائية؛ التي تحاول تحقيق الإنسان في الواقع من خلال الإنسان.

لهذا السبب،
لا تعجب حين ترى مهندسا بارعا يؤمن بنظريات رجعية ذات نفس عنصري،
لا تعجب حين تجد طبيبا ناجحا يقف من الحقوق النسوية / الإنسانية كما يقف منها غلاة الخوارج المتعصبين،
لا تعجب حين ترى متخصصا في الفيزياء النووية وهو يؤمن بأسخف خرافات التقليديين،
وربما يؤمن بإمكانية استخدام أشد الأسلحة فتكا ضد مخالفيه في المذهب أو في الدين.

فالبراعة في هذا شيء،
والانخراط في خطاب عقلاني إنساني مهموم بالإنسان شيء آخر مختلف تماما.

ولو كان ارتباط هذا بذاك حتميا؛
لكان العلماء الطبيعيين الذين خدموا النازية وصنعوا لها أحدث الأسلحة فتكا، هم الأشد وفاء لخطاب التنوير الذي يتغيا الإنسان،
بينما كان الواقع يحكي أنهم الأعداء الشرسين المحاربين لمثل هذا الخطاب.

مثلا، ولعرض الفكرة بصورة أوضح،
هناك فرق كبير بين طبيب بارع متمكن من تخصصه،
ومشتبك مع الخطاب التنويري / الإنساني الذي يكون الخلفية الحضارية لتطورات تخصصه الدقيق،
وبين طبيب آخر، بارع متمكن من تخصصه،
ولكنه غارق حتى أذنيه في خطاب التقليد والتبليد الذي تروج له الاتباعية الماضوية أوساطنا،

والذي هو خطاب مكتنز بالمكونات العنصرية التي تفصل بين هذا الإنسان وذاك الإنسان لمجرد الاختلاف في القبيلة أو في المنطقة أو في المذهب أو في الدين.

فرق بين طبيبين كلاهما بارع،
ولكن الأول يستمد معرفته الإنسانية من فلاسفة التنوير،
ويتقاطع مع خطاب طه حسين مثلا،
بينما الثاني يستمد معرفته من مخلفات الصراعات العقائدية في بغداد القرن الثالث والرابع الهجريين،
ويتقاطع على المستوى المعرفي وعلى المستوى العاطفي مع خطاب شيخ كان يفتي صراحة بتعمد (البصق) في وجوه المخالفين له في التفاصيل المذهبية للدين !..

لقد كانت مفاجأة لكثيرين عندما أطلق أحد الأطباء النفسيين تصنيفات عنصرية تعكس عن عمق كراهيته لكل من لا ينتمي إلى حيزه الجغرافي الضيق. طبعا، هو لم يصرح بالكراهية، ولكنه فعل ما هو أكبر وأشد من التصريح، لقد وضعها في أشد سياقاتها قسوة، وهو سياق التخوين، بل والتخوين الصريح؛ مقابل موضعة الذات (= ذاته ومن ينتمي إليه جغرافيا) كمؤشر اعتباري للمواطنة،
مؤشر يُفترض فيه أن يحكم على ولاء الآخرين !..

حقيقة لم أتفاجأ بهذا الخطاب العنصري الصارخ في عنصريته؛
رغم أنه صادر عن متخصص بارع في تخصصه،
بل وأكثر من ذلك،
لو أنه نطق بغيره (أي بخطاب غير عنصري مضاد للرؤية التي طرحها في تصنيفه المناطقي) لم أكن لأصدق أنه يعبر عن إيمانه القائم على مفاصلات عنصرية؛
لا يمكن أن يكون الإنسان (الإنسان مجردا) غاية لها بحال.

أي أن مقولته العنصرية متسقة تماما مع الخلفية الثقافية التي يتكئ عليها في خطابه (= التقليدية الاتباعية الماضوية)،
وهي خلفية ثقافية متجذرة في الواقع،
خلفية ثقافية يؤمن بها معظم الذين عضبوا منه؛
جراء مقولته تلك.

أي أنهم لم يغضبوا من عنصريته؛
بقدرما غضبوا من (اتجاه) بوصلة الاتهام العنصري؛
ولو كان مثل هذا الاتهام مُوجّها إلى عِرق آخر أو دين آخر أو وطن آخر أو مذهب آخر...إلخ لحظي منهم بالقبول.
يتبع

رابط المقال: http://www.alriyadh.com/2011/07/14/article650376.html
avatar
3
مُساهمة في الأحد 24 يونيو 2012, 12:48 pm من طرف momenattea
العنصرية بين ثقافة التقليد وثقافة التنوير

مـحمد بن علي المحمود
عندما لا يكون الإنسان غاية العلم،
غاية العلم المتمثل في الجهد الإنساني الذي يتغيا الإنسان،
لا تأخذك المفاجأة جراء تحول العلم ذاته من هذه الغاية إلى مجرد أداة لممارسة قهر وطمس وإلغاء الإنسان.
عندما يجري نقل العلم من أهدافه النبيلة،
وتطويعه ليخدم رؤى ايديولوجية خاصة،
رؤى ضيقة،
رؤى عنصرية،
لا تستغرب أن يقع في فخ العنصرية بعض مدعي العلم،
أو حتى بعض العلماء،
خاصة أولئك الذين فهموا العلم في مساراته التخصصية المحدودة؛
معزولا عن التصور الفلسفي العام للإنسان.

لا شك أن الإيديولوجيا الجهنمية في واقعنا،
المتمثلة في التقليدية الأثرية الاتباعية هي من أقوى المؤثرات التي تطمس،
بل وتلغي كل حساسية يجب أن يتوفر عليها المتخصص العلمي تجاه موضوعية العلم،
فضلاً عن كونها تطمس بالضرورة كل ما يمكن أن يعزز إنسانية الإنسان.

قد يتقدم شاعر كبير كالمتنبي،
فيقول بنفس عنصري واضح عن نفسه وعن الناس:
وما أنا منهم بالعيش فيهم *** ولكن معـــدن اــــلذهب الرغام
فلا نلومه شعريا على ذلك؛
لأن يقرر حقيقة شعوره،
تلك الحقيقة التي قد ندينها،
ولكن لا نزعم،
ولا يزعم هو،
أن لها قوة نفاذ حقيقة العلوم.

المتنبي يزعم أنه وإن كان من معدن الناس،
إلا أن عنصره من جوهر آخر، كما أن الذهب موجود في التراب،
ولكنه مختلف عنه تماما.
المتنبي يطابق بين حقيقة شعوره العنصري المتعالي من جهة،
وبين حقيقة علمية معروفة تتحدد في أن الذهب كامن في التراب.

المتنبي يريد عن طريق هذا التشبيه الضمني أن يطابق بين حقيقة عاطفية مزعومة،
وحقيقة علمية لا مراء فيها؛
ليجعل من قوة العلم طريقا إلى تأكيد نزوات العاطفة المتمثلة هنا بغريزة التعالي.

لا نلوم المتنبي كثيراً؛
لأنه في النهاية لا يقدم هذه الرؤية بوصفها حقيقة علمية،
بل بوصفها حقيقة شعرية،
لا تتحقق درجة ثبوتها إلا بدرجة ما يمتلكه الشاعر من بلاغة وبيان.

لكن، عندما يأتي أحد المتلبسين بالعلم،
فيزعم مثلا،
أن العِرق الأبيض أرقى أو أذكى من العرق الأصفر أو الأسود،
فإنه هنا لا يتقدم بهذا كتعبير عن إحساس عاطفي خاص،
لا يعرضه كحالة شعورية،
وإنما يتقدم به كحقيقة علمية موضوعية،
بحيث يجب على الجميع أن يقتنعوا بها،
وإلا عارضوا حقيقة العلم المحايدة،
الحقيقة التي يجب أن يتفق عليها الجميع؛
لأنها كما يفترض خارج نطاق العواطف والأهواء.

مثلا، لو أن شاعراً ألمانياً أكّد لنا بكل ما يمتلكه من قدرة شاعرية أن العرق الألماني هو أرقى الأعراق،
وشدتنا بلاغته في هذا الاتجاه العنصري إلى درجة أن (نوافقه شعوريا) على ذلك،
لم يتعارض هذا مع (استجابتنا الشعورية) لشاعر هندي يؤكد لنا أن العرق الهندي هو أرقى الأعراق،
ولا مع شاعر عربي يؤكد لنا أن العرق العربي هو أرقى الأعراق.
نقبل كل هذا مجتمعاً؛
ولا نرى ثمة تعارضاً يستوجب الرفض،
فالحقائق الشعرية تتجاور؛
دون أن يكون ثمة إشكال في ذلك، بل هي تتعاضد؛
بقدر ما تمتلكه من قوة (المنطق الجمالي).

صحيح أنها قد تتنافس،
لكنها لا تتناقض؛
لأنها تعكس حقيقة العاطفة المرتبطة بوجدان الفرد أو وجدان الجماعة،
ولا ارتباط لها بحقيقة ما هو موجود على أرض الواقع معزولاً عن انعكاسه على الإحساس الخاص.

هذا الادعاء قد يُقبل في الشعر،
في الخطاب الجمالي،
في التعبير الوجداني عن الإحساس نحو الذات الخاصة أو الذات الجميعية،
أو ما يرتبط بهما؛ كالأوطان مثلاً .

لكن لا يمكن أن يقبل في مسارات العلم،
ولا في خطاب العقل قبلاً.

لهذا السبب الذي يظهر من خلاله أهمية التأكيد على الفرق بين خطابين،
أصبح العلماء النازيون الذين جيّروا العلم لصالح الإيديولوجيا النازية،
فحاولوا بالعلم إثبات أن العرق الألماني - الآري هو أرقى الأعراق،
محل سخرية العلماء في كل مكان وزمان.

الحقائق العلمية مقدسة،
ويجب أن تكون مقدسة؛
لأن التلاعب بها يدخل في باب الكذب والتزوير المرتبط آليا بالانحطاط الأخلاقي.

العالم،
أو مُدّعي العلم،
الذي يمارس التزوير في حقائق العلم،
أو حتى تطويعها بشكل غير مباشر، من أجل خدمة ادعاءات ايديولوجية،
هو مجرد مجرم يجب إخضاعه لعدالة القانون؛ كما هو الحال في أية عملية تزوير،
بل هي هنا جريمة تزوير واسعة النطاق.

الآن، كل المفكرين وكل العلماء المتوفرين على النزاهة المفترضة فيهم،
أصبحوا يُسفّهون هؤلاء الذي خانوا العلم أو جهلوا بديهيات العلم،
كما نُسفّه نحن اليوم أولئك الذين يدّعون العلم في تراثنا،
ويزعمون بادعاء علمي !
أن أمة العرب أفضل الأمم،
أو كما يقولون: جنس العرب أفضل من غيرهم.

نعم، قد نغفر للشعراء العرب ادعاءات كهذه،
ولكن أن يسوق لنا أحدهم هذا الادعاء زاعماً أنه حقيقة علمية،
ويأخذه عنه بُؤساء التقليدية بهذه الصفة (= علم)،
فهذا ما لا يمكن أن يغتفر؛
لأنه جريمة علمية وجريمة إنسانية في آن.

ما يُقبَل من شاعرٍ أو شويعر، لا يُمكن أن يُقبل من عالم أو عُويلم !..
عندما يُعدّد شاعر ما،
بعض ما يتوهمه أمجاد شخصه أو أمجاد قبيلته أو أمجاد منطقته أو أمجاد وطنه أو أمجاد عرقه على حساب الآخرين،
أي بتبخيس الآخرين،
فإن هؤلاء الذين وقعوا في هذا السياق السلبي لخطابه لن يغضبوا كثيرا،
لأنهم يعون أن كل من يتلقى هذا الخطاب الشاعري العاطفي سيتلقاه بوصفه مجرد ادعاء عاطفي خاص.
لكن، عندما يمارس الآخر عليهم هذا التبخيس بمنطق العلم؛
فلا بد أن يغضبوا؛
ولا بد أن يكون الغضب للعلم وللإنسان،
وأن يصدر الغضب واضحا وصريحا،
بل وقاسيا من ألسنة وأقلام كل المفكرين وكل العلماء بلا استثناء.

إن الأوهام الشعورية يجب أن تبقى في سياقها،
يجب أن تبقى في حدود خطابها الخاص،
وأن تكون لدينا حساسية فائقة من كل محاولات استدماجها في خطاب العقل والعلم؛
لأن هذا الاستدماج لا ينقل هذا الخطاب (= خطاب العقل والعلم) من غايته (= الغاية الإنسانية) إلى غاية أخرى (= اللا إنسانية العنصرية) فحسب،
وإنما يدمر المنطق الخاص لخطاب العقل والعلم أيضا.
avatar
رد: ..! أحرار تحت ظل الشريعة !..
مُساهمة في الأحد 24 يونيو 2012, 12:51 pm من طرف momenattea
عندما يحاول أي متخصص في أي فرع من فروع العلم استدماج أوهامه ونزوات شعوره في سياق تخصصه،
أي عندما يتقدم بأوهامه تحت غطاء تخصصه،
فإن كثيرين،
وخاصة ممن لا يمتلكون وعيا نقديا مستوعبا لأبعاد عملية التلقي،
قد يغريهم وهْم التخصص هنا؛
فيتلقون أوهام هذا المتخصص بوصفها حقائق علمية موضوعية لا تقبل النقاش.

أي أنهم لا يعون الفرق الكبير والجوهري بين أن يقول هذا المتخصص في أحد فروع العلم (قصيدة عصماء !) يزعم فيها أنه أو قبيلته أو منطقته أفضل الناس أو أرقى الناس أو أوفى الناس أو أكرم الناس ...إلخ مثل هذه الأوهام،
وبين أن يقول إن تخصصه العلمي يثبت ذلك،
وأن ما يقوله حقائق علم موضوعية؛
لا مجرد إحساس خاص.

لا يمكن لأي عالم أن يتجرد لحقائق العلم ما دام منغمساً في خطاب إيديولوجي تقليدي (= معادٍ للعلم) خطاب ينتمي إلى سياقات عنصرية تضرب في أعماق التاريخ،
إلى ما قبل أزمنة الوعي بالإنسان.

المتخصص العلمي عندما يُسوّق لنفسه بمغازلة التقليدية وخطابها العنصري،
فإن هذا الغزل سينتهي إلى حالة هيام،
إلى عشق مجنون،
إلى حالة يتم فيها تقديم مقدسات العلم وقوداً من أجل أن تبقى جذوة التقليد والتبليد متقدة في وجدان البسطاء وجماهير البؤساء.

أي أن المتخصص العلمي في مثل هذه الحال يضع العلم (والذي هو حالة مضادة بطبيعتها للتخلف)،
بل ويضع كل ما يتقاطع مع العلم من قريب أو بعيد في خدمة التخلف،
كما نراه واضحاً؛
وسلوك الذين يُضحّون بمقدسات العلم في سبيل إحياء إيديولوجيا عصور الظلام.

لا يمكن لأي متخصص علمي أن يخون علمية تخصصه إلا تحت وطأة شيء ما،
شيء كبير قادر على إرباكه من الداخل،
قادر على جعله يرتكب جريمة الخيانة العلمية بكل راحة ضمير؛
حتى ولو أدى هذا إلى تدمير العلم وظلم الإنسان.

لا شك أن الإيديولوجيا الجهنمية في واقعنا،
المتمثلة في التقليدية الأثرية الاتباعية هي من أقوى المؤثرات التي تطمس،
بل وتلغي كل حساسية يجب أن يتوفر عليها المتخصص العلمي تجاه موضوعية العلم،
فضلاً عن كونها تطمس بالضرورة كل ما يمكن أن يعزز إنسانية الإنسان.

إننا لا نستطيع أن نتوقع ما يمكن أن تفعله التقليدية بالإنسان إلا عندما نتتبع مسيرة كثير من التقليديين الذي انخرطوا في تخصصات علمية يفترض أنها بعيدة عن مجالات التوظيف الإيديولوجي.

التقليدية بكل مقولاتها التي تحاول إيديولوجيا (اللا عقل / اللا علم) تمريرها من خلال المقدس قادرة على جعل (أبنائها / مُريديها) مجرد دراويش لها؛
مهما بلغوا من العلم،
حتى في أدق التخصصات وأبعدها عن مجال العبث الإيديولوجي الرخيص.

الموضوع كبير وشائك. لكن،
كي ندرك حجم هذا الأثر الذي تمارسه التقليدية على أتباعها،
لا بد أن نتذكر أن العنصري الذي تحدثت عنه في المقال السابق،
هو الذي ترحّم (بصيغة صريحة، قال: رحمه الله) قبل بضعة أشهر،
وفي برنامجه على الهواء مباشرة،
على أكبر طاغية منتهك لحقوق الإنسان في التاريخ العربي: صدام حسين.

وعندما أحس بأن مقدم البرنامج قد ذُهل،
وأن المشاهد كذلك،
قال مُبررا: نترحم عليه،
لأن من مذهب أهل السنة والجماعة الترحم على من مات من المسلمين.

والسؤال هنا، هل كان يجرؤ على الترحم على بعض المختلفين معه في المذهب من المسلمين،
ممن لم يرتكبوا 1% مما ارتكبه صدام من جرائم بحق الإنسان ؟!،
بل هل يستطيع الدعاء لمن هم أقل جرائم من صدام بما لا يقاس ؟..

أليس وراء الترحم على صدام نفس عنصري مذهبي واضح ؟!.

لن نختلف كثيرا على الجواب؛
لأنه كان واضحاً للعيان، ولكن تم التغاضي عنه لأنه يخص ذلك الإنسان، وليس نحن !..

أخيراً، ألم أقل:
إن ثقافة التقليد تحتضن كل صور التعنصر، تمارس التمييز بعنصرية صارخة.

وواهمون أولئك الذين يريدون الانتقاء في مجال التمييز بين بني الإنسان.

فالتمييز على أساس مذهبي لا يختلف عن التمييز على أساس قبلي أو مناطقي أو عرقي.

التمييز العنصري أياً كان نوعه ينتمي إلى بنية ذهنية واحدة.

كل هذا ينتمي إلى ثقافة تقليدية رجعية معادية بطبيعتها للإنسان،
ثقافة لا علاقة لها بما تحقق من إنجاز إنساني على يد فلاسفة التنوير،
أولئك الذين صنعوا عصراً جديداً للإنسان،
عصراً لا يُستساغ فيه الترحم على أمثال صدام،
كما لا يستساغ فيه التمييز العنصري بكل أنواعه؛
لأن كل هذا في النهاية يمثل انتهاكاً صارخاً لبدهيات حقوق الإنسان.

إن ثقافة التقليد تحتضن كل صور التعنصر،
تمارس التمييز بعنصرية صارخة.

وواهمون أولئك الذين يريدون الانتقاء في مجال التمييز بين بني الإنسان.
فالتمييز على أساس مذهبي لا يختلف عن التمييز على أساس قبلي أو مناطقي أو عرقي.


رابط المقال: http://www.alriyadh.com/2011/07/21/article652460.html
avatar
5
مُساهمة في الأحد 24 يونيو 2012, 1:01 pm من طرف momenattea
التغيير بالتنوير .. من تفكيك الأوهام إلى الوعي بالذات

مـحمد بن علي المحمود؛
لا يرتبط التقدم،
وأقصد التقدم التنويري،
ذلك التقدم الذي هو جوهر التقدم الإنساني اليوم،
بتوفير مستويات أعلى وأغلى من الرفاهية المادية في جانبها الاستهلاكي،
حتى وإن كانت هذه الرفاهية أحيانا،
وفي بعض جزئياتها الخدمية الإنسانية خاصة،
يمكن أن تُعد مؤشرا لما يتحقق في الواقع من تطورات تحاول مقاربة (الهم) الإنساني؛
بوصف الإنسان هو غاية التقدم في كل مجال.


إشكالية الثقافة العربية اليوم
-الثقافة في صورتها الجماهيرية أو شبه الجماهيرية التي يتبناها الوعاظ والكتاب التقليديون-
أنها تريد الجمع بين المتناقضات في آن واحد،
تريد الديمقراطية والحرية وحكم المؤسسات،
وفي الوقت نفسه تريد الاحتفاظ بالتاريخ الاستبدادي القمعي مُمَجّدا ومُعظما،
بل ومقدساً..

يرتبط التقدم التنويري ارتباطا وثيقا،
قبل أي شيء،
بمستوى توفر قيم الكرامة الإنسانية التي شدد عليها خطاب التنوير الأوروبي قبل ثلاثة قرون.

وهي كرامة متعددة الأبعاد ومفتوحة على شتى الميادين.

لكن، لا شك أن توفر لقمة العيش الكريمة،
وبطريقة كريمة،
غير مرهقة للجسد ولا للروح (إرهاقا يتجاوز حدود الأعراف العالمية لمدة وطبيعة العمل)،
هو شرط أولي،
هو مقصد أولي من أولويات أية عملية تتغيا اجتراح مشروع (حقوقي / تنموي) للإنسان.

هذا يعني أنه وإن كان ليس هناك تلازم حتمي بين توفير مستويات الرفاهية من جهة،
وبين التقدم الحقيقي (= التنويري)،
التقدم الذي يتغيا الإنسان من جهة أخرى؛
إلا أن هناك تفاعلاً،
على أكثر من مستوى،
بين هذا وذاك.

أي أن التنوير لا يتغيا الرفاهية المادية كهدف أولي مقصود لذاته؛
بقدرما يتغياها كوسيلة ذرائعية من جهة،
أو كنتيجة يمكن من خلالها قياس مستوى ما تحقق في الواقع من نجاح في اختصار الجهد الإنساني المبذول من أجل بقاء وسعادة الإنسان.

إذن، لا يمكن أن يكون التغيير الإيجابي،
التغيير الحقيقي،
التغيير نحو الأفضل،
إلا بالتنوير الأوروبي ذي النفس الليبرالي،
التنوير الأوروبي الذي أثبت الواقع،
وعلى مدى قرنين كاملين من التجريب والإنجاز،
بل ومن مراجعة نقدية مستمرة لهذا الإنجاز،
أنه أنتج للعالم أفضل حضارة عرفها الإنسان على امتداد تاريخه المعروف.

مشاريع التغيير كثيرة،
بل والتي تزعم التقدمية أكثر من كثيرة،
ولكنها (في حقيقتها) ليست مشاريع تقدمية،
تتجه إلى الإنسان في وجوده الحقيقي: الإنسان الفرد.

فالرؤية الشمولية التي تلغي الفرد إذ تزعم أن الجماعة هدفها،
هي الرؤية السائدة المناهضة لجوهر خطاب التنوير الأوروبي،
والذي هو الخطاب الوحيد الذي أثبت من خلال معطيات الواقع أنه القادر على توفير الحدود الدنيا من الضمانات التي تعصم الإنسان من الوقوع في دائرة الإلغاء،
إلغاء الإنسان على يد الإنسان لصالح الشعارات المتعالية الجوفاء.

لكن، مع وضوح كل هذا،
بل ومع استشعاره جماهيريا إلى حد ما،
إلا أن تبني خيار التنوير ليس من السهولة بمكان.

فخيار التنوير ليس استيراداً آليا للقيم التي شدد عليها فلاسفة التنوير قبل ثلاثة قرون،
بل ولا هو القبول بالانفتاح على الخطاب التنويري منزوعا منه جوهره الذي هو نقد وتفكيك ما قبل التنوير،

أو بعبارة أدق ما هو مضاد لقيم التنوير:
قيم العقل والعلم والإنسان،
خاصة إذا ما كانت تلك القيم المضادة متلبسة بالذات،
بهوية وتاريخ الذات؛
مما يعني ضرورة تفكيك الذات،
من أجل وعي أعمق بالذات.

صعوبة تبني خطاب التنوير،
أو حتى الرضى بحضوره كفاعل في ساحة الفكر،
وفي ميادين الفعل الواقعي،
لا تتأتى من الاسترابة الهوسية بقيمه الإنسانية ذات البعد العولمي التي لا تفرق بين هذا الإنسان وذاك الإنسان.

الصعوبة تكمن تحديداً في محتواه النقدي المشدود إلى حيادية العلم وإلى موضوعية العقل،
وهو المحتوى الذي لا بد أن يضع الذات بتاريخها وهويتها على مشرحة التحليل الصارم،
التحليل القادر على فضح وتبديد أرسخ وأقوى الأوهام،
والتي هي ربما أجمل الأوهام !..

نحن في أفضل الأحوال - نريد المنتج الأخير لخطاب التنوير،
ذلك المنتج المتمثل في القيم الإنسانية التي يتفق عليها كل مهموم بالكرامة الإنسانية،
من حرية وعدل ومساواة وديمقراطية ..إلخ،
ولكننا في الوقت نفسه لا نريد تبديد الأوهام الفكرية الكبرى التي تتلبسنا وتستولي علينا،
كما لا نريد مساءلة التاريخ الطويل الذي نحن نتاجه.

نحن نريد أن نبني البيت الجديد الجميل فوق بيت قديم متصدع آيلٍ للسقوط،
أو نحن نريد أن نبني البيت الجديد الجميل على تصدعات أرضية خطيرة،
لا تقبل البناء عليها من الأساس،
بل لا بد من حفرها وتجريفها ومعرفة مستويات الخطر فيها،
ومن ثَمَّ،
كيفية تلافي كل خطر بما يناسبه؛
حتى لا نصحو ذات يوم وإذا نحن على فُوّهة بركان قادر على ابتلاعنا إلى سحيق الأعماق.
__________________
avatar
رد: ..! أحرار تحت ظل الشريعة !..
مُساهمة في الأحد 24 يونيو 2012, 1:05 pm من طرف momenattea
اليوم، الشعوب العربية تنادي بالديمقراطية التي هي نتاج تنويري بامتياز،
بل وتضحي بأرواح أبنائها من أجلها،
من أجل أن تعيش زمنا تنويريا،
ولكنها لا تنادي بالتنوير كخطاب عقلاني يسبق الرؤية الديمقراطية.

بل حتى لو قبلت بالتنوير كخطاب عام،
فإنها جراء استلابها من قبل الخطاب التقليدي ذي المرجعية الاتباعية ترفض مستلزمات الفعل التنويري،
ترفض أولى أولوياته المتمثلة بفحص الموروث على ضوء مُحددّات العقل،
أو على نحو أدق على ضوء آخر ما توصل إليه العقل الإنساني من آليات القراءة المعرفية التي تتسم بأكبر قدر من الحياد.

ومع أن نقد الموروث،
والحفر في طبقات التاريخ (= تاريخنا المجيد !)،
ومساءلة المُسلمات ذات المرجعية الاتباعية،
شرط أولي لأية ممارسة تنتهج التنوير كخطاب؛
إلا أن هذا الأمر على بدهيته،
وأولويته،
وضرورته،
لا يحظى بالقبول من هذه الجماهير التي أصبحت مهووسة بالمنتج التنويري (= الديمقراطية)؛
دون أن تكون مهووسة بالعقل (التنويري / النقدي) الذي يقف خلف هذا الإنجاز.

إشكالية الثقافة العربية اليوم (الثقافة في صورتها الجماهيرية أو شبه الجماهيرية التي يتبناها الوعاظ والكتاب التقليديون الذين يعيدون اجترار مقولات السائد الاجتماعي) أنها تريد الجمع بين المتناقضات في آن واحد،
تريد الديمقراطية والحرية وحكم المؤسسات ...إلخ،
وفي الوقت نفسه تريد الاحتفاظ بالتاريخ الاستبدادي القمعي مُمَجّدا ومُعظما،
بل ومقدسا.
تريد الاحتفاظ بتاريخها كما هو،
وبكل ما فيه،
كموضع فخر واعتزاز،
ومصدر إلهام تتغنى به في الصباح والمساء،
وتريد في الوقت نفسه أن تعيش كما يعيش الغربي موفور الكرامة والحقوق،
حيث لا يعاني من القهر ولا من الهدر،
ولا يخشى طرفة عين من خطرات ونزوات الاستبداد والاستعباد.

إن الماضي، حتى في صوره الجميلة،
أو تلك التي تبدو كذلك،
لا يتطابق مع الحاضر، ولا مع متطلبات الحاضر.

كل شيء تغير ويتغير وسيتغير،
والبُنى الاجتماعية بأكملها تغيرت وتطورت وتعقدت؛
كما تغير وتطور وتعقد الإنسان في سياق وجوده الفردي.

لا بد أن نعي حقيقة أنه لا يمكن إنزال تجربة الماضي كما هي،
على افتراض نجاعتها،
على الحاضر،
وإلا خسرنا حاضرنا،
ولم يبق لنا إلا وهم تاريخ !..

لكن، سيبقى الماضي وهما جميلا يشدنا إليه؛
ما دام لم يخضع للقراءة العلمية النقدية المحايدة؛
لأنه جزء من الذات،
جزء من مكونات الذات.

وما دامت الذات معجونة بالأوهام،
إلى درجة أن يكون وعيها مخلوقا من الأوهام،
فلا يمكن أن ترى نفسها كما هي عليه حقيقة،
لا يمكن أن تفهم نفسها،
أن تعي ذاتها،
وإنما ستستمر في تِيهها،
ستستمر تتغنى بجمالها الأبدي الموهوم،
ذلك الجمال الذي سيرضي شيئا من غرورها الكاذب كلما رأته منعكسا على مرآة الأوهام.

إذن، ما دام مجرد الفحص التاريخي للماضي الجميل (الذي يفترض المخيال الجمعي جماله) مُحرّما ومُجرّما،
لا على مستوى التلقي الجماهيري الشعبوي فحسب،
وإنما على مستوى البحث الأكاديمي (طبعا، نقول: أكاديمي تجاوزا؛ لأن ما يقدم في الجامعات التقليدية ليس إلا مجرد منشورات دعاية إيديولوجية محددة سلفا بكل تفاصيل مقولاتها)،
البحث الأكاديمي لدينا الذي لا زال يعيش ثقافة القرون الوسطى،
لا زال يفكر كما البُلداء في عصر الظلمات،
بل لا زال يفهم العلم ذاته على أنه عملية نقل واجترار وتقديس مجاني للأشخاص والوقائع والمقولات.

إن العربي / المسلم يعيش اليوم في حَمأة وعي مليء بالمتناقضات التي تعكس حقيقة تمزقه إزاء ما يراه في واقعه أو ما يتوهمه عن ماضيه، إزاء ما يريده بكل قوة في مسار، ويرفضه بكل قوة في مسار آخر.

ولهذا لم تكن مفارقة ملفتة للنظر أن نجد الجماهير العربية في أكثر من بلد عربي تحتشد مطالبة بالحرية والعدالة ومساءلة الماضي القريب (الماضي الذي عايشته فنزعت عنه حجب القداسة)،
مطالبة بالديمقراطية في أرقى صورها،
وبالعدالة في أنقى مثاليتها،
ومن بعد ذلك تقف بقية الشعوب العربية معها مؤيدة لها في هذه المطالب التنويرية إلى أقصى درجات التأييد،
وفي الوقت نفسه نجد أن هذه الجماهير التواقة إلى أزمنة الحداثة التنويرية متمثلة في منتوجها المؤسسي (= الديمقراطية)،
وكل الألسنة والأقلام المؤيدة لها،
تغضب إلى درجة الهياج الجنوني من مقال عابر لرئيس تحرير سابق طرح رؤيته حول تاريخنا،
وحاوَل (بما يوفره له حق البحث وحق الفحص وحق التحليل، بل وحق التأويل)
أن يقرأ ما يراه سلبيا في الواقع على ضوء ما يراه سلبيا في التاريخ.

طبعا، ليس هنا تقرير صواب رؤيته من عدمها،
فهي في الأخير رؤية تأويلية لما حدث قبل قرون طويلة لا يمكن الاستدلال بتفصيل الحكم عليها بمقال.

كما أن المشكلة لا تكمن في الرد عليه؛
إذ هو حق لأي أحد،
ولا في طرح رؤية بديلة تنقض رؤيته من أساسها،
بل المشكلة تحديداً تكمن في مصادرة حقه في التفكير والتعبير.

أي أن المشكلة الأساس تكمن في أن السائد الجماهيري،
كما يتراءى لنا بألسنته وأقلامه الغوغائية،
كان يقول له:
قل ما نريد سماعه، أو اصمت.

بل إن بعضهم طالب صراحة بمحاكمته على هذه الرؤية التي طرحها (والغريب أننا نفعل ذلك، وفي الوقت نفسه نزعم أننا خرجنا من القرون الوسطى ومن ذهنية محاكم التفتيش) وكأن الكاتب الباحث أصبح مجرما،
لا مجرد كاتب متجرد من أهواء الإيديولوجيات،
يقرأ التاريخ بوصفه تاريخا بشريا قابلا للفحص،
لا مجموعة من الأساطير التي تتحصن بوهم التقديس.

كيف يمكن أن نتقدم خطوة واحدة نحو زمن التنوير،
ونحن نجزع ونفزع ويتلبسنا الهلع؛
لمجرد أن تمت قراءة تاريخنا على عكس ما نحب ؟!..

كيف نريد أن نحقق العدالة والديمقراطية .. إلخ،
ونحن لا نزال نفهم العدالة في صورة تاريخية بدائية،
في صورة ثوب مُرقّع أو غياب حرس أو ..إلخ ؟!.

وباختصار: كيف يمكن أن نعي من نحن،
وماذا نريد،
وكيف السبيل إلى ما نريد،
ونحن لا نقبل بأية قراءة تحليلية تفكيكية (= قراءة علمية محايدة) للماضي بكل مكوناته من وقائع مؤسطرة،
وأشخاص مُسيّجين بالعصمة،
ومقولات لا تزال رغم قدامتها راسخة رسوخ الجبال ؟!.
__________________
avatar
7
مُساهمة في الأحد 24 يونيو 2012, 1:08 pm من طرف momenattea
الحقائق المكروهة .. من تفكيك الأوهام إلى الوعي بالذات

مـحـمـد بن علي الـمـحـمـود؛
حاولتُ في المقال السابق،
وبقدر ما تسمح به فضاءات الحرية المتاحة في هذا السياق الثقافي الخاص بنا،
أن أُقارب العلاقة بين إرادة التقدم المرتبطة بالتنوير ضرورة،
وبين ضرورة تفكيك الأوهام التاريخية المرتبطة بالذات،
من أجل وعي أعمق بالذات.

وأظن أنه قد اتضح، ولو في حدود نسبية معقولة !،
أن من لا يعي ذاته من خلال وعيه بتاريخه كما هو،
لا يمكن أن يعي مستقبله المأمول،
ومن ثم،
لا يستطيع التقدم خطوة واحدة حقيقية إلى الأمام.

لقد بات من الواضح جداً أن النقد التاريخي الذي يعمل على تفكيك الأوهام ليس ترفاً،
ليس حاجة هامشية مرتبطة بهذا الميدان العلمي أو ذاك،
ليس أرضية لمناوشات مذهبية أو طائفية أو حركية ...إلخ،
بل هو ضرورة مستقبل يهم الجميع بلا استثناء.

وأيضا، بات من الواضح أكثر أن الذهنية الجماهيرية التي صنعتها التقليدية الاتباعية،
والتي تفكر بواسطتها الأغلبية الساحقة من الأمة العربية / الإسلامية لم تصل بعد إلى مرحلة الوعي بأهمية الفصل بين الكلام عن الذات بما يشبه قصيدة الفخر،
وبين الفحص العلمي التشخيصي (= النقدي) للذات.

بل لقد اتضح،
وبصورة مقاربة إلى حد ما؛
من خلال نموذج الاعتراض على مقال نقدي عابر (سبقت الإشارة إليه في المقال السابق)، أن هذه الجماهير التي تمثل الأغلبية الساحقة (بما فيها من إعلاميين ودعاة وكتاب وأكاديميين تقليديين ومُدعي علم ...إلخ) لديها حساسية هوَسية صارخة تجاه كل أنواع المقاربات العلمية المحايدة التي لا تتعمد كتابة التاريخ بقلم شعاراتي دعائي يمنحه (= التاريخ) العصمة والتبجيل.


إن أول شرط من شروط القراءة العلمية للتاريخ يتمثّل في أن تقرأ تاريخك بعد أن تنسى أنه تاريخك.

لا بد أن تضع تاريخك أمامك على طاولة البحث / الفحص / التشريح؛
بعد أن تتخيله تاريخ أمة أخرى،
تاريخ أمة لا علاقة لك بها،
لا بد أن تصنع ذلك الانفصال قدر الإمكان؛
حتى لا تقف العاطفة التي يصنعها الانتماء ضرورة.



لا نلوم بطبيعة الحال الوعي الجماهري البسيط الذي تلقى معلوماته التاريخية عن طريق التاريخ المكتوب - مدرسياً بطريقة التصفية والفلترة وتمجيد الذات، أو التاريخ المطروح - إعلاميا - بلغة الشعارات الجوفاء.

بل لا نلوم الكتاب والإعلاميين الذين لم يطلعوا على الكتابات العلمية المحايدة التي مارست مهمة الفحص التشريحي للتاريخ،
وإنما نلوم أولئك المتقاطعين مع بعض الهموم المعرفية،
أولئك الذين لديهم اهتمامات علمية / بحثية،
ولو مؤدلجة،
وتمكنوا من الاطلاع على معظم الكتابات التي مارست مهمة تفكيك الأوهام،
وعرفوا الحقيقة أو جزءاً منها،
ولكنهم وضعوها في خانة: (الحقائق المكروهة) التي يجب - كما يتوهمون - طمسها،
أو حتى قلبها؛
لتظهر بعكس ما هي عليه حقيقة (= أكاذيب محبوبة / مقبولة)؛
حتى لا تتم تعرية الذات أمام الذات.

إن أجرأ محاولات التزييف والتزوير؛
كانت مع اجتياح طوفان (الزمن الغفوي) في الثمانينيات الميلادية لكثير من المجتمعات الإسلامية،
وتسربه إلى معظم ميادين الحياة؛
حيث حاول بعضهم إعادة كتابة التاريخ من منظور إيديولوجي / إسلاموي (ما سُميّ بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي) تحت شعار تطهير التاريخ من دسائس الأعداء.

لقد كانت هذه المحاولات الإسلاموية التي تتلبس الروح العلمية الأكاديمية،
لا تريد إعادة كتابة التاريخ من أجل غربلته من الأوهام أو من الأكاذيب أو الدسائس كما تدعي،
بقدر ما كانت تريد كتابته وفق احتياج الحراك السياسي الغفوي؛
رغم أنها كانت تُعلن وبصوت صاخب،
وخاصة في المقدمات التنظيرية،
أنها تبحث عن الحقيقة (= الحقيقة العلمية المحايدة) بين ركام هائل من أكاذيب قدماء المؤرخين الذين (شوهوا) التاريخ الجميل، تاريخنا المجيد، التاريخ المعصوم من الأخطاء !..

كانت هذه الكتابات اللا علمية (= التجميلية) التي صدرت حتى عن بعض الأقسام العلمية الأكاديمية أمرا متوقعا؛ نتيجة اجتياح الطوفان الغفوي لكثير من أقسام الدراسات التاريخية في معظم جامعاتنا، وإحساس دارس التاريخ أنه لا يمارس العلم؛
بقدر ما هو يمارس الجهاد بالقلم تمهيداً للجهاد بالسنان.

أي أن العلم تحول من بحث عن الحقيقة إلى مهمة حربية أو شبه حربية؛
لا أهمية للحقائق فيها إلا بقدر قابليتها للتوظيف في مهمات القتال.
avatar
رد: ..! أحرار تحت ظل الشريعة !..
مُساهمة في الأحد 24 يونيو 2012, 1:17 pm من طرف momenattea
في تلك المرحلة الغفوية البائدة،
كانت مهمة المؤرخ الإسلاموي تتلخص في تزوير التاريخ صراحة؛
تحت مسمى إعادة كتابة التاريخ الإسلامي؛
حيث قدم كثيرون رسائل علمية (كما يسمونها!) تمارس تجميل / تزوير التاريخ.

وهذا ما تنبّه له مُبكرا الشيخ المُحقق: حسن المالكي،
في كتابه (نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي) عندما قال:
" إن إعادة كتابة التاريخ الاسلامي ليس معناها أن نضع كذبا محبوبا مكان الحقائق المكروهة ".

ولهذا أخذ على نفسه،
وبجدية صارمة،
مهمة فضح معظم مشاريع التزوير التي تؤسس لصورة مغلوطة عن الذات،
صورة تلغي الوعي،
صورة مفخخة بأكبر قدر من الأوهام.

لا شك أن (الحقائق المكروهة) كانت - ولا تزال - تُقلق،
بل تُزعج وتُرعب،
أولئك الواهمين الغارقين في بحيرة الأوهام،
فضلا عن أولئك المنتفعين الذين يُسهمون في صناعة وحماية وتضخيم بُحيرة الأوهام.

وهذا تحديدًا هو سبب الحرب الشرسة اللا أخلاقية التي يشنها سدنة الأوهام على كل من يحاول تعرية الأوهام؛
لأن بروز وظهور الحقائق المكروهة يفضح مشاريع العودة إلى الماضي،
تلك العودة التي تطرح حركاتُ الإسلام السياسي من خلالها مشروعيتها في الواقع،
ويتقبلها المجتمع التقليدي البائس على هذا الأساس.

إن أول شرط من شروط القراءة العلمية للتاريخ يتمثّل في أن تقرأ تاريخك بعد أن تنسى أنه تاريخك.
لا بد أن تضع تاريخك أمامك على طاولة البحث / الفحص / التشريح؛ بعد أن تتخيله تاريخ أمة أخرى، تاريخ أمة لا علاقة لك بها، لا بد أن تصنع ذلك الانفصال قدر الإمكان؛ حتى لا تقف العاطفة التي يصنعها الانتماء ضرورة،
أوتقف الحاجة إلى الاعتزاز القومي،
أو حتى الخوف من ردة فعل المتلقي الذي يتلقى ما تكتبه عن تاريخه بوصفه حديثا مباشرا عنه،
سدا منيعا يحجب عنك الرؤية الصادقة التي ترى من خلالها الأحداث كما هي حقيقة،
وليس كما هي بعد أن تلونت وتشكلت بعواطف ومشاعر وتحيزات آلاف الألسنة وعشرات الأقلام.

عندما تقرأ تاريخك قراءة علمية محايدة،
أي بوصفه تاريخاً مجرداً لا تنتمي إليه ولا ينتمي إليك؛
سترى الحقائق والوقائع كما هي،
سترى الجريمة جريمة،
ولن تحتاج لتأويلها أو تبريرها،
لن تُلقي بالتهمة على الأشباح أو على الشخصيات الأسطورية؛
لتبرئة الشخصيات الرمزية ذات المكانة الاعتبارية في وجدانك من جرائمها أو جرائرها أو حتى من ضعفها البشري الذي ينزع عنها أوهام التقديس.

لهذا، يجب أن ندرك،
دون حرج من أي نوع، أن أصدق توصيف لتاريخنا هو ما كتبه الآخرون عنا (كالكتابات الاستشراقية التي تتصف أغلبيتها الساحقة بالحياد العلمي، وهو الحياد الذي قد يصدمنا، بل قد يجرحنا، وهذا طبيعي)؛
لأنهم يكتبون عن تاريخ أممي عام،
يتخصص بعضهم في جزء منه،
تاريخ لا يذوبون فيه بأية درجة من مستويات الذوبان.

إن معظم ما كتبه الآخرون نرى فيه تجنياً علينا،
نرى فيه هضما لتاريخنا،
نرى فيه انتقاصا من شخصياتنا التاريخية ذات المكانة الاعتبارية،
بينما هو في الحقيقة أصدق وأدق:
(الدقة والصدق نسبيان هنا، فالتاريخ منقول عبر وسائط غير محايدة تماماً:
اللغة وتحيزاتها،
والرواة وتحيزات المؤرخين الغارقين آنذاك في سخونة الحدث ...إلخ)
تصوير يمكن أن نرى من خلاله ذواتنا،
كما هي عليه في التاريخ،
ومن ثم،
كما هي عليه في واقعنا المعاش.

إننا عند ما نكتب تاريخنا بأنفسنا دون تجربة الانفصال عنه،
نكتبه ونحن متلبسون به،
غارقون فيه؛
بحيث نصبح جزءا من أداة الرؤية،
فنصبح،
في آن واحد،
نحن الموضوع ونحن المشتغلين عليه،
نحن الباحث والمبحوث،
نحن الناقد والمنقود.
ولا شك أن هذا يربك واقعية الرؤية،
ويمهد الأجواء لصناعة أكبر قدر من الأوهام.

إن (الحقائق المكروهة) كثيرة في تاريخنا المجيد؛
رغم أنها غائبة أو مغيبة عن مجال الطرح العام.
ونحن لا نتذكرها إلا نادراً،
بل نحن نمارس معها الإنكار بلغات مختلفة،
أحيانا بلغة الإنكار الصريح،
وأحيانا بلغة التجاهل واستحضار ما يضادها ليملأ الفراغ،
وفي أحايين أخرى بتأويلها أو بتذويبها في أسيد المبررات العقائدية اليقينية المسبقة القادرة على إذابة أقسى الحقائق وأصلبها،
فضلًا عن القيام بتحميل أوزارها للمخالفين كجزء من لغة قلب الطاولة على الأعداء !..
__________________
avatar
رد: ..! أحرار تحت ظل الشريعة !..
مُساهمة في الأحد 24 يونيو 2012, 1:19 pm من طرف momenattea
تزييف التاريخ .. مدخل إلى الجهل بالذات

محمد بن علي المحمود

بلا مبالغة؛
يُمكن اعتبار ما كتبه الإسلاميون والقوميون عن التاريخ العربي / الإسلامي خلال العقود السبعة الماضية أكبر عملية تزييف للتاريخ.
ما كُتب خلال هذه الفترة لم يُكتب لوجه العلم،
ولا بروح العلم،
وإنما كتب تحت وطأة الحاجة الإيديولوجية الضاغطة،
الحاجة التي حركتها مشاريع مقاومة الاستعمار التي لا تعمد إلى ما هو أبعد من تدعيم التماسك النفسي ولو بخداع الذات.


هذا التاريخ المزيف الذي ترسّخ بفعل قلة تأثير التعليم والإعلام أصبح هو الحقيقة التي يجب التسليم بها.
ومن ثم،
أصبح كل من يحاول مساءلة هذه الحقيقة المزيفة بواسطة البحث العلمي المحايد يبدو وكأنه يمارس عدواناً على التاريخ،
يبدو وكأنه هو من يقوم بالتزييف.


إذن، التاريخ كعلم لم يكتب لدينا بروح علمية،
وإنما بروح دفاعية تستحضر غرضيْ:
الفخر والهجاء؛
بهدف حماية الذات المهزومة من الانهيار أمام منجزات الآخر.
بل وأكثر من ذلك،
لقد كُتب تاريخنا بروح دفاعية ليست بريئة،
بل هي روح يخترق أعمق أعماقها جرح نرجسي كبير وعميق،
جرح مفتوح يتسع على مدار الأيام والليالي،
جرح نازف تعاني منه الذات منذ قرنين أو أكثر؛
جراء فشلها الحضاري المتواصل،
وهو الفشل الذي أصبح الآخر (= الغربي) مرآة ملازمة تذكرها به في كل حين.

التاريخ علم، وليس إعلاماً.
والعلم شرطه الأولي الحياد الموضوعي؛
مهما كان هذا الحياد العلمي نسبيا في إمكانية توفره في هذا الميدان العلمي أو ذاك.

انفصال الذات (الذات الدارسة / الباحثة / الفاحصة) عن موضوع الدراسة / البحث / الفحص،
شرط علمي أساسي لا يمكن التنازل عنه بحال؛
حتى يتمكن البحث من أن يتماسك علميا؛
حتى يحظى بأدنى درجات القبول العلمي في مجاله الخاص.

إن هذا الحياد العلمي هو ما أشرت إليه في المقال السابق؛
عندما تحدثت عن ضرورة أن ندرس تاريخنا وكأنه ليس بتاريخنا،
ليس بغضاً فيه،
وإنما حبّ فيه.

ومن شرط المحبة تقديم النافع ولو كان مرا ومؤلما،
ومنع الضار ولو كان مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين،
ودقة التشخيص هي ما يهمّ المريض الواعي،
وليس خداعه بسراب الأكاذيب.

تاريخنا - كما نتصوره اليوم - ينقسم إلى قسمين:
تاريخ مكتوب منذ عشرة قرون وأكثر،
تاريخ هو أقرب إلى الحدث،
تاريخ هو أدق وأصدق وأشد اتساقاً مما كتب بعده
(طبعا، الحقيقة فيه لا يتم التوصل إليها بالتلقي السلبي له،
لايتم التوصل إليها إلا من خلال تطبيق أحدث مناهج الدراسات التاريخية عليها؛
حيث تتجلى الحقيقة بالتدريج وبمستويات نسبية مقاربة لا تدعي اليقين إلا في أقل القليل)
وهذا ما نجده في أمهات كتب التاريخ والمغازي والتراجم كما كتبها أصحابها،
أي قبل أن تختطفها عملية التزييف التي يسميها بعض محققي هذه الكتب:
التهذيب أو التنقيح !..

هذا التاريخ الموسوعي غائب - بحقائقه - عن وعي الجماهير،
كما هو غائب عن أشباه المتعلمين ممن لا يُعنون بالبحث والاستقصاء في مصادر المعلومة الأولى،
وإنما يكتفون بما يُعده لهم الوسطاء الإيديولوجيون الذين يشكلون حلقة الوصل بينهم،
وبين تاريخهم.

لهذا فهم يكتفون بأن يتلقوا وعيهم التاريخي من خلال الخطاب الشفهي التبسيطي الذي يتلقونه في قاعات الدرس،
أو من خلال منابر الوعاظ،
أو من خلال الخطاب الجماهيري الذي يتبرع به النجم الفضائي الشهير،
النجم الذي لا جهد له في هذا السياق المعرفي إلا أن يردد - في الغالب - ما كتبه غلاة القوميين والإسلاميين في كُتيّباتهم الدعائية الرخيصة معرفية،
والتي لا تهدف إلا إلى مغازلة غرائز الجماهير!..

بهذا نستطيع التأكيد أن هناك تاريخين،
تاريخاً حقيقياً في أمهات الكتب التي يستحيل أن تتواطأ على الكذب بمجموع رواياتها وقرائنها وعلاقتها بمنطق التاريخ،

وآخر، تاريخا جديداً،
تاريخا مكذوبا،
تاريخا كتبه المشرفون على التعليم في عالمنا العربي،
كتبوه في أجواء الصخب اللاهب الذي صنعه سدنة الإيديولوجيا العروبوية / الإسلاميوية في زمن مقاومة الاستعمار،
وتأثر به الإعلاميون من مقدمي البرامج ومعديها ومخرجيها،
وكاتبو السيناريوهات للمسلسلات التاريخية الاستهلاكية،
وصغار الدعاة والوعاظ الذين يقومون بجمهرة المعلومة في فضائهم الجماهيري العريض.

من الواضح أن هذا التاريخ الإيديولوجي الذي راج جماهيرياً تاريخ مُوجّه،
تاريخ تمت كتابته لغاية غير علمية،
تاريخ يطمس (الحقائق المكروهة) أو يتجاهلها أو يبررها عقائديا أو ...إلخ.
avatar
رد: ..! أحرار تحت ظل الشريعة !..
مُساهمة في الأحد 24 يونيو 2012, 1:21 pm من طرف momenattea
ومن الواضح أيضا أن هذا التاريخ قد بلغ من الرواج الجماهري درجة جعلته في حكم المعلوم من التاريخ بالضرورة عند التيار الجماهيري العام؛
لأنه من جهة يمثل رؤية مدعومة على أكثر من صعيد،
ومن جهة ثانية،
يُلبي رغبة متحفزة لإثبات الذات عند المتلقي المستهلك لهذا التصور التاريخي المغلوط.

هذا التاريخ المزيف الذي ترسّخ بفعل قلة تأثير التعليم والإعلام
أصبح هو الحقيقة التي يجب التسليم بها.

ومن ثم،
أصبح كل من يحاول مساءلة هذه الحقيقة المزيفة
بواسطة البحث العلمي المحايد يبدو وكأنه يمارس عدواناً على التاريخ،
يبدو وكأنه هو من يقوم بالتزييف،
إنه يُلاقي ردة فعل عنيفة من مُدّعي العلم،
ومن جهلة الكتاب والإعلاميين،
ومن الوعاظ التقليديين،
فضلا عن كبار سدنة خطاب التقليد.

استعراض الحقائق المكروهة،
ولو بأسلوب ناعم يُراعي حساسية المتلقي،
لا يعفي الباحث من التعنيف الذي يلاقيه،
ذلك التعنيف الذي قد يصل به إلى درجة اتهامه في دينه وانتمائه.

ومن الغريب أن كل هؤلاء التقليديين
الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث والاستقصاء وتتبع مختلف الآراء
حول الإشكاليات التاريخية،
يواجهون الباحث المستقصي الذي يطرح أمامهم الحقائق المكروهة
بأسئلة استنكارية اتهامية من نوع:
من أين أتيت بهذه المعلومات ؟
وما قصدك منها ؟
ولماذا توردها في هذا الوقت بالذات ؟
ولماذا تورد مثل هذه المعلومات التي تدعم توجهات الآخرين ؟ ...إلخ

الأسئلة التي تعكس حالة جهل بالتاريخ،
كما تعكس في الوقت نفسه حالة جهل بـ(مفهوم العلم)،
وحالة جهل أكبر بوظائفه التي تبرر وجوده،
والتي ليس منها بحال إرضاء غرور الذات ولو بالتزييف !..

اليوم،
أصبحت الدراما التاريخية هي أكبر وسيط يتم من خلاله جمهرة المعلومة التاريخية،
واستحضارها في الوعي بكل ما تحمله وتتحمله من إيحاءات لا تقل أهمية عن أصل المعلومة التي نادراً ما تصل سالمة من التزييف.

القائمون على هذه المسلسلات التاريخية هم في الأول والأخير تجار فن،
يهمهم إرضاء الجماهير عن طريق إنتاج ما يداعب وجدانياتهم،
ونادراً ما نجدهم من محترفي الفن،
فضلاً عن أن يكونوا من محترفي العلم،
أو من المهمومين بالبحث التاريخي الذين يتجاوز وعيهم بالتاريخ وعي بسطاء الجماهير.

لهذا، تجد الدراما التاريخية لا تقوم بأكثر من استعراض ما تؤمن به الجماهير،
أو ما تريد أن تؤمن به.

إنها تعيد عرض ما كتبه غلاة القوميين وغلاة الإسلاميين بأسلوب درامي ركيك؛
لأنها - بكل بساطة - تريد إرضاء الجمهور المشاهد / المستهلك
الذي لا يريد أن يرى تاريخه كما هو
(بل هو لا يتصور وجوده كما وقع فعلا)،
وإنما يريد أن يراه كما يتخيله واهماً،
تاريخاً جميلاً وعظيما وإنسانيا وبريئا من الجرائم الكبرى،
وانتهاكات حقوق الإنسان والفساد وبيع الذمم ...إلخ
من السلبيات التي يطفح بها تاريخنا المجيد،
التاريخ الذي يفتخر أحد أبرز خلفائه بأن يحمل لقب: السّفاح.

بل إن بعض هذه المسلسلات الدرامية التجارية تبيع الحقيقة تحت ضغط منطق التجارة،
وذلك عند ما تريد إرضاء جميع أطياف الجماهير
على الرغم من وجود الاختلاف الكبير فيما بينها في رؤيتها للوقائع التاريخية،
وتقييمها للأشخاص وما يتبع ذلك من مستويات الترميز.

ولهذا تقوم هذه المسلسلات التزييفية بتشذيب الحقيقة
إلى درجة إلغائها تماما في بعض الأحيان،
في محاولة - غير بريئة - لتبرئة الجميع،
وصناعة مجتمع مثالي من صنع الخيال،
مجتمع لا تقع فيه الجريمة إلا مرفقة بتبرير أكبر منها،
بل بتبرير ينقلها من خانة السلب إلى خانة الإيجاب.

هذه الدراما الرخيصة،
وكي تضمن إرضاء الجميع،
تقوم باستدعاء أو استجداء تزكيات وإجازات وشهادات
يتبرع بها بعض رموز التقليدية من جميع الأطياف؛
وكأن المسلسل لا يجوز له أن يحمل رؤية نقدية خاصة،
بل لا دور له إلا ترديد ما تقوله الجماهير،
(بما فيها الخطاب الإعلامي الجماهيري القائم على روح الاعتداد القومي / الديني)
منذ أمد طويل.

إن هذا الاحتماء الجبان بتزكيات مجموعة من التقليديين،
يدلنا على درجة نفوذ الرؤى التقليدية
التي تكتنف تاريخنا نتيجة الهيمنة الطاغية لخطاب التقليد؛
حيث وصل الأمر - كما رأينا - إلى مهازل معرفية وفنية،
تمثلت في أن المسلسل التاريخي
(والذي يفترض فيه أن يحمل سلسلة طويلة، جريئة ومتماسكة من الرؤى النقدية)
يعجز عن طرح رؤيته الخاصة في محاور الإشكاليات الكبرى منفرداً،
بل وجدناه يحتاج إلى إجازة صريحة وجماعية من سدنة خطاب التقليد.

يفعل ذلك؛
بينما يتجاهل، وعن عمد،
ولأسباب تجارية أو إيديولوجية حركية تلك الرؤى التي تتسم بالحياد العلمي،
والتي تناولت التاريخ كموضوع معزول عن الذات،
ومن ثم،
كتاريخ منزوع القداسة،
وأقصد تحديداً الرؤى التاريخية النقدية
التي نجدها غالبا فيما كتبه عنا وعن تاريخنا كبار المستشرقين الذين لا نزال،
وبمنطق الجهل،
نضعهم في دائرة الاتهام؛
لمجرد أنهم لا يُمجّدون لنا تاريخنا كما نريد،
ولا يطمسون الحقائق المكروهة كما نتمنى،
ولا يرفعون الشخصيات الاعتبارية فيه إلى درجة التقديس..
__________________
 

..! أحرار تحت ظل الشريعة !..

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الشريف نت :: المنتدي ألاسلامي :: الخطب والمحاضرات للشيوخ-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى:  

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)سورة المائده